عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
60
روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )
عامر جزاك اللّه عنى خيرا ، فقلت يا ولدى إلى ماذا صرت ؟ قال إلى ربّ كريم راض غير غضبان ؛ أعطاني ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، وآلى على نفسه أن لا يخرج عبد من الدنيا مثل خروجي إلا أكرمه مثل كرامتي ، فاستيقظت فرحا به وبما قال لي ، وبشرني به رضي اللّه تعالى عنه . قلت : حكيت هذه الحكاية على غير هذه الصفة من طريق آخر ، قال الراوي : سئل هارون الرشيد عنه فقال : إنه ولد لي قبل أن أبتلى بالخلافة ، فنشأ نشئا حسنا ، وتعلم القرآن والعلم ؛ فلما وليت الخلافة تركني ولم ينل من دنياي شيئا ، فدفعت إلى أمه هذا الخاتم وهو ياقوت يساوى مالا كثيرا ، وقلت لها تدفعين هذا إليه ؟ وكان برّا بأمه رحمة اللّه تعالى عليه . ( الحكاية التاسعة عشرة : عن عبد اللّه بن مهران رحمه اللّه تعالى ) قال : حج هارون فوافى الكوفة فأقام بها أياما ، ثم ضرب بالرحيل ، فخرج الناس وخرج بهلول المجنون رضى اللّه تعالى عنه فيمن خرج ، فجلس بالكناسة والصبيان يؤذونه ويولعون به ، إذ أقبلت هوادج هارون فكف الصبيان عن الولوع به ، فلما جاء هارون نادى البهلول بأعلى صوته : يا أمير المؤمنين ، يا أمير المؤمنين ؛ فكشف هارون السجاف بيده وقال لبيك يا بهلول لبيك يا بهلول ، فقال يا أمير المؤمنين ، حدثنا أيمن بن نائل عن قدامة بن عبد اللّه العامري قال : « رأيت النبي صلّى اللّه عليه وسلم بمنى على جمل وتحته رحل رثّ ، فلم يكن ضرب ولا طرد ولا إليك إليك ، وتواضعك في سفرك هذا يا أمير المؤمنين خير لك من تكبرك وتجبرك ، فبكى هارون حتى سقطت الدموع على الأرض ثم قال : يا بهلول زدنا يرحمك اللّه تعالى ، فقال : هب أنك قد ملكت الأرض طرّا * ودان لك العباد فكان ماذا ؟ أليس غدا مصيرك جوف قبر * ويحثو الترب هذا ثم هذا ؟ فبكى هارون ثم قال أحسنت يا بهلول ، هل غيره ؟ قال نعم يا أمير المؤمنين ، رجل آتاه اللّه مالا وجمالا فأنفق من ماله وعفّ في جماله كتب في خالص ديوان اللّه تعالى من الأبرار ، فقال أحسنت يا بهلول مع الجائزة ، فقال أردد الجائزة على من أخذتها منه فلا حاجة لي فيها ، قال يا بهلول إن يكن